ثورة الشعر : حياة ميدو زهير

صورة: Lekhfa

كان القلب الغنائي النابض للمشهد الموسيقي المصري المستقل. هبة حبيب تتذكر ميدو زهير الذي توفى أواخر أبريل.

“لم أعرف شاعراً في مصر مثل ميدو زهير، فلطالما خاطبتني قصائده وعبرت عني، يحدثني عن الخيبة، واليأس، والأمل والوهن والحب والرحمة والثورة. سحبني من حجرة الموت ثم دخلها هو ”هكذا وصف الشاعر المصري فادي عوض الشاعر وكاتب الاغاني ميدو زهير الذي توفي مؤخراً عن عمر 46 سنة فقط، بسبب هبوط مفاجئ، وغير مُفسَّر في ضغط الدم، في أواخر أبريل الماضي، تاركاً وقعاً صادماً لرحيله في مصر والعالم العربي.

ليست مبالغة بأن نقول أن زهير كان القلب الغنائي النابض لمشهد الموسيقى المستقلّة في مصر، فكلماته التي صيغت ببراعة، سواء في ديوانيّ الشعر الذي نشرهما، أو المغنّاة من قبل آخرين، ترسم صورة كاشفة لجيل، صورة نابضة باللون الأحمر جَراء الغضب السياسي الذي تأكد بالمزيد من الأشكال السوداوية لانكسار القلب والخسارة، ولكنها دائماً ما احتوت حساً ذهبياً من الدعابة، بل وحتى بصيرة خارقة للطبيعة.

صحيح أن ميدو، الرجل طويل القامة ذو الشعر الأجعد الجامح، كان ناسكاً منعزلاًبشكل ما، لكنه لطالما كان ركيزة أساسية لحياة وسط مدينة القاهرة، المركز التاريخي للمقاومة والخيال في مصر. كانت قراءاته الشعرية الحية النادرة حاشدة باستمرار، عرضه الفردي “أزرق”، والذي استٌخدم جزء منه لاحقاً في مسلسل تلفزيوني شهير عام 2010، واصفاً بطريقة غريبة، مقتل شاب على يد الشرطة والسخط الذي أثاره. فيما يعتبر محاكاة لأحداث مقتل خالد سعيد، من البداية إلى، الذي أثارت وفاته ثورة 2011.

ولد زهير في أكتوبر 1974، وقال في إحدى المقابلات أنه اكتشف أنه بمقدوره نظم الشعر “عن طريق المصدافة”. في طفولته وشبابه، حظى ميدو بعدد من الأصدقاء الذين كانوا متعصبين لكرة القدم، حالهم كحال العديد من الشباب المصريلذا كان يبتكر هتافات للمباريات ووجد أنها لاقت رواجاً لديهم. الأمر الذي يعد بداية ملائمة لرجل غالباً ما تُغنى كلماته في ميدان التحرير، مثل “وطن العك”.

تعاون زهير مع مجموعة من أكثر الموسيقيين الموهوبين في مصر، بما في ذلك فرقة بلاك تيما النوبية، ودينا الوديدي، ووسط البلد، وفي أغلب الأحيان مع مريم صالح، التي كانت ملهمة لزهير. تعاونهم الأخير كان على ألبوم الاخفا، وهو ألبوم مشترك صدر في عام 2017 يضم صالح وموريس لوقا وتامر أبو غزالة. وصفت صحيفة الجارديان البريطانية الألبوم بأنه ” الجارديان بأنها “كابوس مبهج برفق”.

عزا الموسيقيون نجاح الألبوم إلى كلمات زهير، إذ كتب ميدو كل الأغنيات التي غنتها مريم صالح، باستثناء خمس أغنيات.

وفي مقابلة مع منتجة الألبوم سارة المنياوي، قالت: “عندما تنظر إلى كلماته عن كثب، فتجد أنه يستخدم لغة الحياة اليومية، ويقول الأشياء بالطريقة التي نقولها بها في المحادثات الاعتيادية، ولكن في قالب شعري”.

يمكن اعتبار زهير وريثًاً لماض عريق طويل من الشعر العامي المصري وكتابة الأغاني، لكن زهير أعاد اختراع هذا النوع من الكتابة، منسلاً في كثير من الأحيان إلى رسم صور سريالية، مع خلط المناظر الطبيعية الشعورية مع المشاهد السياسية بشيء من الوعي الذاتي المتزايد. ولكن على الرغم من ذلك، وعلى حد قول موريس لوقا: “للوهلة الأولى، قد تظن أن كتاباته تدور حول الواقع المؤلم وما إلى ذلك، ولكن بطريقة ما لا تحبطك الأغنية. لا أعرف حقاً كيف يفعل ذلك؟ “.

في إحدى أغنيات مريم التي كتبها ميدو، يقول: “ياللي في ضهرك جناح، احزن عشان تنبسط، وموت علشان ترتاح، دا الموت يعيدك لأصلك”.

تلخص تلك القصيدة الكثير من الأفكار التي تعرّف أعمال ميدو زهير، تقبُله لفوضوية الحياة، وطموحه إلى عدالة أكبر تأتي عبر طرق معقدة، ألا تسمح باقتصاص جناحيك برغم الهزيمة، وأن تجد الحرية في أن تحيا وأن تواجه الموت دون خوف

Heba Habib • 2020-09-04
Heba Habib är frilansjournalist, skribent och översättare och har arbetat som korrespondent för Washington Post och egyptisk tv.


Lyktan är en flerspråkig kulturtidskrift med ett särskilt intresse för mötet mellan språk. Med utgångspunkt i ”konst för alla” skriver vi om konst, kultur och flerspråkighet. Vi är politiskt och religiöst obundna och drivs fristående med Konstfrämjandet Västmanland som huvudman.

ثورة الشعر : حياة ميدو زهير

صورة: Lekhfa

كان القلب الغنائي النابض للمشهد الموسيقي المصري المستقل. هبة حبيب تتذكر ميدو زهير الذي توفى أواخر أبريل.

“لم أعرف شاعراً في مصر مثل ميدو زهير، فلطالما خاطبتني قصائده وعبرت عني، يحدثني عن الخيبة، واليأس، والأمل والوهن والحب والرحمة والثورة. سحبني من حجرة الموت ثم دخلها هو ”هكذا وصف الشاعر المصري فادي عوض الشاعر وكاتب الاغاني ميدو زهير الذي توفي مؤخراً عن عمر 46 سنة فقط، بسبب هبوط مفاجئ، وغير مُفسَّر في ضغط الدم، في أواخر أبريل الماضي، تاركاً وقعاً صادماً لرحيله في مصر والعالم العربي.

ليست مبالغة بأن نقول أن زهير كان القلب الغنائي النابض لمشهد الموسيقى المستقلّة في مصر، فكلماته التي صيغت ببراعة، سواء في ديوانيّ الشعر الذي نشرهما، أو المغنّاة من قبل آخرين، ترسم صورة كاشفة لجيل، صورة نابضة باللون الأحمر جَراء الغضب السياسي الذي تأكد بالمزيد من الأشكال السوداوية لانكسار القلب والخسارة، ولكنها دائماً ما احتوت حساً ذهبياً من الدعابة، بل وحتى بصيرة خارقة للطبيعة.

صحيح أن ميدو، الرجل طويل القامة ذو الشعر الأجعد الجامح، كان ناسكاً منعزلاًبشكل ما، لكنه لطالما كان ركيزة أساسية لحياة وسط مدينة القاهرة، المركز التاريخي للمقاومة والخيال في مصر. كانت قراءاته الشعرية الحية النادرة حاشدة باستمرار، عرضه الفردي “أزرق”، والذي استٌخدم جزء منه لاحقاً في مسلسل تلفزيوني شهير عام 2010، واصفاً بطريقة غريبة، مقتل شاب على يد الشرطة والسخط الذي أثاره. فيما يعتبر محاكاة لأحداث مقتل خالد سعيد، من البداية إلى، الذي أثارت وفاته ثورة 2011.

ولد زهير في أكتوبر 1974، وقال في إحدى المقابلات أنه اكتشف أنه بمقدوره نظم الشعر “عن طريق المصدافة”. في طفولته وشبابه، حظى ميدو بعدد من الأصدقاء الذين كانوا متعصبين لكرة القدم، حالهم كحال العديد من الشباب المصريلذا كان يبتكر هتافات للمباريات ووجد أنها لاقت رواجاً لديهم. الأمر الذي يعد بداية ملائمة لرجل غالباً ما تُغنى كلماته في ميدان التحرير، مثل “وطن العك”.

تعاون زهير مع مجموعة من أكثر الموسيقيين الموهوبين في مصر، بما في ذلك فرقة بلاك تيما النوبية، ودينا الوديدي، ووسط البلد، وفي أغلب الأحيان مع مريم صالح، التي كانت ملهمة لزهير. تعاونهم الأخير كان على ألبوم الاخفا، وهو ألبوم مشترك صدر في عام 2017 يضم صالح وموريس لوقا وتامر أبو غزالة. وصفت صحيفة الجارديان البريطانية الألبوم بأنه ” الجارديان بأنها “كابوس مبهج برفق”.

عزا الموسيقيون نجاح الألبوم إلى كلمات زهير، إذ كتب ميدو كل الأغنيات التي غنتها مريم صالح، باستثناء خمس أغنيات.

وفي مقابلة مع منتجة الألبوم سارة المنياوي، قالت: “عندما تنظر إلى كلماته عن كثب، فتجد أنه يستخدم لغة الحياة اليومية، ويقول الأشياء بالطريقة التي نقولها بها في المحادثات الاعتيادية، ولكن في قالب شعري”.

يمكن اعتبار زهير وريثًاً لماض عريق طويل من الشعر العامي المصري وكتابة الأغاني، لكن زهير أعاد اختراع هذا النوع من الكتابة، منسلاً في كثير من الأحيان إلى رسم صور سريالية، مع خلط المناظر الطبيعية الشعورية مع المشاهد السياسية بشيء من الوعي الذاتي المتزايد. ولكن على الرغم من ذلك، وعلى حد قول موريس لوقا: “للوهلة الأولى، قد تظن أن كتاباته تدور حول الواقع المؤلم وما إلى ذلك، ولكن بطريقة ما لا تحبطك الأغنية. لا أعرف حقاً كيف يفعل ذلك؟ “.

في إحدى أغنيات مريم التي كتبها ميدو، يقول: “ياللي في ضهرك جناح، احزن عشان تنبسط، وموت علشان ترتاح، دا الموت يعيدك لأصلك”.

تلخص تلك القصيدة الكثير من الأفكار التي تعرّف أعمال ميدو زهير، تقبُله لفوضوية الحياة، وطموحه إلى عدالة أكبر تأتي عبر طرق معقدة، ألا تسمح باقتصاص جناحيك برغم الهزيمة، وأن تجد الحرية في أن تحيا وأن تواجه الموت دون خوف

Heba Habib • 2020-09-04
Heba Habib är frilansjournalist, skribent och översättare och har arbetat som korrespondent för Washington Post och egyptisk tv.


Lyktan är en flerspråkig kulturtidskrift med ett särskilt intresse för mötet mellan språk. Med utgångspunkt i ”konst för alla” skriver vi om konst, kultur och flerspråkighet. Vi är politiskt och religiöst obundna och drivs fristående med Konstfrämjandet Västmanland som huvudman.