لغة الله ليست لغة

Dansande dervisher är det som många i väst främst associerar med sufismen. Bild: Baltazar Faunbäck (Wikimedia commons)

هل يمكن للعقل وحده أن يحيط بتجربة الوجود؟
في نصّ يتكئ في شكله على الكتابات الصوفية القديمة، يفتح أحمد عزام سؤال المعرفة الصوفية بوصفها محاولة لتجاوز حدود العقل، والإنصات إلى معنى لا يُقال بل يُعاش.

التصوّف الإسلامي تيارٌ داخلي في التجربة الإسلامية نشأ بعد الصراعات السياسية التي تأججت بعد وفاة الرسول محمد، وهو تيار يعيد ترتيب العلاقة بين العقل والقلب: لا ينكر البرهان، لكنه يذكّر بأن المعنى لا يُختزَل ضمن التعريفات العقلية فقط. لذا يتحدّث الصوفيون عن الذوق والكشف والحيرة كصيغ إدراك، وعن الحبّ والرحمة والذكر كأدوات معرفة. تأريخيًا، خرج هذا الأفق من الزهد المبكّر، ثم انفتح على لغةٍ شعرية وفلسفية وعلمية عبر أعلامٍ كبار كالحلّاج وابن عربي والرومي والنفّري وعمر الخيّام…وغيرهم. فكوّن خطابًا يرى العالم إشارات ومعاني لا موادّ صمّاء.

هذا النص ” المعرفة عند الصوفية” يأتي ضمن مشروع أكبر هو “لغة الله” يحاول فيه الكاتب الهروب من تقريرية الأكاديمية من دون التفريط بالدقة، عبر منهج ثابت بثلاث حركات. في “الرحلة” نعيد كل مفهوم إلى صورته الحسّية كي يُرى ويُلْمَس. في “المرآة” نضعه أمام فكرة حديثة مألوفة للقارئ، لا لتزيين الخطاب بل لكشف نقاط اللقاء والاختلاف. وفي “المحاورة” نسمح للأفكار أن تتجادل على المسرح؛ لأن بعض الأسئلة لا تُفهَم إلا وهي تتكلّم بصوتين.

الرحلة

كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة
“النفري”

“أيها الشيخ، ماذا تعرف عن هذا النهر” ؟

أجاب الصوفيّ مبتسماً ” أعرف ما لا يمكن للكلمات أن تنطق به”

قد تبدو هذه الإجابة على بساطتها غامضة أو شعرية في أحسن الأحوال، وهو ما يلخص التحدي الجوهري الذي واجه التصوف عبر التاريخ: كيف يمكن التعبير عن نوع معين من المعرفة يتجاوز حدود اللغة والمنطق المعتاد؟

كثيراً ما وصِفَت المعرفة الصوفية في السياق الأكاديمي بأنها معرفة صامتة أو شعرية بل هناك من وصفها بالسطحية، لأنها معرفة لا تكتمل في إطار الكلام النظري أو الاستدلال العقلي وحده. وهذا لم يكن ناتجاً عن رفض الصوفيين للعقل أو العلوم، بل لأن طبيعة المعرفة التي سعوا إليها تتجاوز الاطار العقلاني المحدود إلى التجربة الوجودية المباشرة والتذوق الروحي الذي لا يمكن ترجمته بسهولة إلى مفاهيم واضحة أو مصطلحات علمية جافة.

لكن رغم هذه الصفة الرمزية أو الشعرية التي ميزت خطابهم، لم يكن الصوفيون مجرد شعراء أو حالمين، بل كان أغلبهم علماء وفلاسفة وأطباء وفلكيون وفقهاء. نجد مثلاً بين أعلام التصوف نصير الدين الطوسي(1274) الذي كان عالم فلك وهندسة ورياضيات ومنطق من الوزن الثقيل ، والفيلسوف العظيم شهاب الدين السهروردي (1154-1191) الذي كان عالماً كبيراً في الفلسفة والمنطق بالاضافة إلى عمر الخيّام (1048- 1131) الشاعر والعالم الرياضي والفلكي المتميز… وغيرهم الكثير.

الصوفيون إذاً لم يكونوا متأملين منعزلين في عوالم الخيال فقط، بل كانوا متفاعلين مع ثقافة عصرهم بكامل أبعادها العلمية والفلسفية. إلا أن ما ميزهم عن غيرهم هو قناعتهم العميقة بأن المعرفة العقلية النظرية رغم أهميتها تبقى عاجزة عن إداراك الحقيقة الكونية الكاملة. وأن المعرفة الأكثر عمقاً هي تلك التي تكتسب من خلال التجربة الذاتية والتذوق الشخصي أو ما أسموه “الذوق والكشف”
المتصوف الكبير ابن عربي (1165-1240) يميز بين ثلاثة أنواع من المعرفة:

علم اليقين: هو العلم العقلي، علم يُحصّل من البرهان أو الخبر. كمن يقرأ وصف البحر في كتاب، هو يعرف أنه موجود، لكن لم يشاهده.
عين اليقين: أن ترى الحقيقة رؤية قلبية مباشرة، كمن يقف على الشاطئ ويرى البحر بعينيه، فيدرك شيئاً من عظمته لكنه لم يلمس أعماقه بعد.

حق اليقين: وهو الذوق الكامل، أن تكون أنت والبحر واحداً، يغمرك الماء وتتنفس أسراره وتشعر بوحدتك معه، إنه المعرفة كحالة وجودية لا كفكرة عقلية فقط.

من هنا يصر ابن عربي على أن المعرفة الحقة ” هي أن تشهد الله بقلبك في كل شيء، فإذا شهدته فلا تحتاج إلى برهان”. لأن الصوفي الحقيقي هو “العارف” وليس “العالِم” فالعالِم يجيد قراءة النصوص والبيانات وحفظها وتحليلها، لكنه قد يكون غافلاً عن حقيقة قلبه. أما العارف يرى لغة الله في كل شيء حتى في أصغرِ ذرة من تراب. لكن هذه المعرفة لا تأتي مجاناً. يَرِد عن النفري (965-؟) في إحدى مواقفه _ الموقف لدى النفري يعادل حق اليقين عند ابن عربي_

أي أن الطريق إلى المعرفة الحقة يتطلب التخلي عن كل غرورٍ وكل تصوّرٍ سابق. فالمعرفة الصوفية ليست تملكًا أو إحاطةً، بل هي أن تفقدَ نفسَك في حضرة الله، وتصير شاهدًا على سره في الكون.


Bild som sägs föreställa Ibn Arabi. Bild: Wikimedia Commons.

هذا العلم عند الصوفيين هو فيض إلهيٌّ، نوع من الإلهام أو التجلي المباشر، مثل النور الذي يُشعل في القلب دون سابق إنذار أو طلب. إنه معرفة صافية لا يشوبها الظن ولا التقليد لأنها تتخطى العقل والمنطق وتتخطى حتى الحسّ والخيال.

ابن عربي يصف العلم اللدني بأنه:

” علمٌ لا يُكتب في الأوراق، ولا يُشرح بالألسنة، بل هو أسرارٌ تُلقى في القلب كالمطر الناعم على أرضٍ يباب”. بمعنى آخر هو كل ما يجعل العارف الصوفي يعرف من دون برهان ويفهم الحقيقة من دون سؤال.

إن فكرة “العلم اللدني” عند الصوفية، وتحديدًا حالة «الواقف» عند النفري، تطرح سؤالًا عميقًا حول طبيعة المعرفة الإنسانية: هل كل ما نعرفه هو فقط ما نتعلمه من الخارج؟ أم أن هناك “معرفة كامنة” مزروعة في جوهر النفس الإنسانية، ولا تحتاج سوى ظروف ملائمة لكي تتفتح وتُكشف؟

المتصوفة يقولون أن المعرفة الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل هي شي موجود في القلب، ويظهر فجأة في لحظات التجلي.
من هذا المنظور، يمكن القول إن العقل البشري ليس مجرد صفحة بيضاء تُكتب عليها الأفكار والتجارب لمن الخارج، بل هو أشبه بحقلٍ خصبٍ يحتوي بذور المعرفة، وتحتاج فقط إلى لحظة مناسبة أو “تجربة داخلية” لتُزهر.

ولو نظرنا إلى اللغة مثلًا، نجد أن الإنسان يكتسب لغته بشكل شبه تلقائي، دون أن يتعلّم قواعدها بشكل واعٍ في سنواته الأولى. هذا يشير إلى وجود بنية معرفية عميقة وفطرية داخل الإنسان، تتحرك من دون تدخل واعٍ أو إرادة مباشرة.

بالطريقة نفسها، يمكن أن نتصور “العلم اللدني” كنوع من “لغة روحية” كامنة في عمق النفس، لغة لا تعلم من الخارج بل تكشف من الداخل، وهذه المعرفة موجودةٌ فينا كقدرة أو استعداد مسبق وحين تأتي اللحظة المناسبة تتفتح هذه المعرفة بشكلٍ عفوي وتلقائي.

مقام “الواقف” عند النفري يشبه تمامًا لحظة اكتساب اللغة عند الطفل؛ لحظة تتجاوز التعليم الواعي، وتصل إلى كشف مباشر لمعرفة كانت دائمًا موجودة في النفس. إنها اللحظة التي يكفّ فيها القلب عن السؤال، ويتوقف العقل عن التفكير الواعي، ويبدأ فقط “بالإصغاء”
بهذا التحليل، نفهم لماذا يقول النفري: المعرفة حجاب

لأنه يرى أن محاولة تعريف المعرفة، أو تعليمها بشكل واعٍ، قد يحجب تلك المعرفة الداخلية العميقة التي تولد في القلب عفويًا ودون واسطة.
الفرق إذن بين المعرفة الظاهرية (التي تُكتَسَب بالجهد والتعلّم)، والمعرفة اللدنية (التي تنبع من الداخل بشكل فطري)، هو الفرق بين اللغة التي نتعلم قواعدها بعد جهد، وبين اللغة الأم التي نمتلكها دون أن نعرف كيف تعلّمناها.

وهذا ما يدعونا الصوفية إلى إدراكه

أننا لا نتعلم “لغة الله” من الخارج، بل نتذكرها من الداخل.


Syriskt manuskript av Ibn Arabis Diwan. Bild: Khalili Collections/Wikimedia commons

رحلة

نحن الآن في عام 2500 ميلادية، لم يعد العالم مكاناً كما نعرفه اليوم. التكنولوجيا وصلت إلى نقطةٍ جعلت من الإنسان قادراً على فهم كل ما هو قابلٌ للفهم. صارت المعرفة حقائقَ محفوظة داخلَ رقاقاتٍ إلكترونية، صار كل شيءٍ قابلاً للقياس، للشرح، وللتوقع. لكن سؤالاً وحيداً ظلّ بلا إجابة، سؤالاً بقي يقلق القلة المتبقية من البشر ويزعجهم: هل يمكن أن نعرف حقيقة المعرفة ؟

في تلك السنة البعيدة قررت البشرية إقامة متحفٍ ضخم أطلقوا عليه ” متحف المعرفة الأخير”. في جناحه الرئيسي عُلِقت على الجدران آلاف الشاشات التي تُظهِر كل ما عرفه البشر من علومٍ ونظريات وأرقام ولغات، ومن سقف القاعةِ تدلّت مجسماتٌ مضيئة للأدمغة البشرية تحاكي تركيبة العقل البشري بدقة هائلة.

في نهاية الممر الطويل عُلِقت لوحة قديمة متواضعة، كان مكتوباً عليها بخطٍ يدويٍ عربيٍ عتيق: “قال لي، لا تعرفني حتى تيأس مِنك”
توقف زائرٌ شاب بفضولٍ أمام تلك اللوحة، ولم يفهم معناها. اقترب منه رجلٌ عجوز بهيئة بسيطة، بدا كأنه آت من زمنٍ آخر. قال العجوز بهدوء :
أراك حائراً يا بني، هل أعجبتك اللوحة ؟

ابتسم الشاب وقال: بل حيرَتني، في هذا المتحف المهيب يبدو كل شيء واضحٍ، كل شيء مفهوم، عدا هذه اللوحة الغريبة، إذ كيف تكون المعرفة يأساً ؟!

رد العجوز: لقد حاولتم طوال قرونٍ أن تعرفوا الحقيقة من الخارج فقط، نسيتم أن الحقيقة التي تبحثون عنها ليست شيئاً يلتقط بل هي شيءٌ يتجلى من الداخل.

سأل الشاب: أيعني هذا أن معرفتنا كانت كلها وهماً ؟

هزّ العجوز برأسه موافقاً: ليست وهماً بالمعنى الحرفيّ للكلمة لكنها لم تكن كاملة أبداً، لطالما كان ينقصها تلك اللحظة التي يتوقف فيه العقل عن السؤال وتبدأ فيها النفس بالإنصات.

تأمل الشاب المكان حوله بدهشة، ثم قال بعد تردد: ولكننا تعلمنا أن كل شيء يمكن قياسه وتفسيره.
رد العجوز بابتسامة هادئة: أجل، كل شيء يمكن قياسه ما عدا سؤال المعرفة نفسه.

يتأمل العجوز قليلاً في اللوحة ثم يستطرد: لقد قضيتم قروناً تجمعون لحظات النور العابرة، لكنكم عجزتم عن أن تصنعوا منها شعلةً دائمة. ألف مرةٍ تجلت الحقيقة أمامكم لكنكم لم تعلّموا قلوبكم كيف تحتفظ بها. هذه اللوحة ليست عن اليأس بمعناهِ السلبي، بل عن التخلي عن وهم السيطرة على المعرفة. أن تترك ما تظنّ أنك تعرفه كي تفتح قلبك لما لا يمكن أن يقال.

الشاب متحمساً: أشعر أني سمعت صدىً لهذه الكلمات في حلمٍ بعيد، ولكن أخبرني أيها الشيخ كيف يمكننا أن نعرف ؟
وضع العجوز يده على كتف الشاب بلطف وقال: بأن تدركَ أولاً أنك لا تعرف. أن تترك لغتك التي اعتدت أن تشرح بها العالم، وتبدأ بتعلمِ لغةٍ قديمة جداً في داخلك، لغةٍ كدت تنساها.

أجاب الشاب بحيرة حقيقية هذه المرة: أية لغةٍ هذه ؟!

قال العجوز: إنها اللغة التي لا تكتسب بل تُذكَر. اللغة التي تحدث بها القلب قبل أن يعرف العقل الكلمات. لغة الإلهام والتجلي، هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تخبرك بالحقيقة التي تقف خلف كل الحقائق.

تأمل الشاب مجدداً في اللوحة، ولكن هذه المرة تأملها بصمت العالم، وحين التفت أخيراً نحو الرجل العجوز لم يجد أحداً.

مرآة أخرى

لو تواضعنا قليلاً وتساءلنا بهدوء: هل المعرفة الانسانية وليدة التجربة المباشرة فقط، أم أن في الانسان نوعاً من المعرفة المسبقة التي لا ينتبَه لها إلا حين تظهر فجأة في لحظة وعي خاطفة؟
في السياق الأوروبي الحديث، كثيراً ما طُرح هذا السؤال، ولكن من زوايا مختلفة جذرياً عن التصوف الاسلامي. فهناك من رأى أن المعرفة ليست مجرد تراكم لخبراتنا الواعية، بل أشبه بمحيطٍ عميق داخل النفس، محيط لا يمكن استكشاف أعماقه بالكامل عبر المنطق الواعي وحده.
هنا يمكننا أن نذكر مدرسة التحليل النفسي التي رأت أن الانسان لا يعرف نفسه معرفة كاملة، وأن جزءاً كبيراً من حياته ومعرفته يكمن في منطقة مظلمة وغامضة سمّتها “اللاوعي”.

يرى فرويد أن الانسان محكوم بقوى نفسية خفية، لا يظهر منها سوى جزء بسيط إلى السطح، بينما الجزء الأكبر (الهو) يظل مختبئاً في الأعماق، يتحكم في أفكارنا وتصرفاتنا دون أن ندرك ذلك بوعي. من هذه الزاوية يبدو مفهوم “العلم اللدني” عند الصوفية قريباً من مفهوم “الهو” الفرويدي في كونه معرفة عميقة موجودة في داخل الإنسان، وتنتظر اللحظة المناسبة للظهور.
غير أنّ الفرق الجوهري هنا هو أن المعرفة عند الصوفية ليست معرفة مظلمة أو سلبية كما هو الحال عند فرويد، بل نور إلهي يكشف عن حقيقة وجودية أعمق.

لكن دعونا نتوسع قليلاً وننظر إلى صورة أخرى حديثة وأكثر غرابة في فهم المعرفة، صورة لم تولد من الفلسفة التقليدية، بل من عالمٍ غير متوقع: عالم الذكاء الاصطناعي.

في السنوات الأخيرة ابتكرت البشرية طريقة جديدة لإنتاج المعرفة من خلال خوارزميات التعلم العميق والشبكات العصبية. هذه الخوارزميات لا تتعلم بالمعنى التقليدي للتعليم، بل تكتشف المعرفة بنفسها من خلال التفاعل مع البيانات. كأنها تستعيد نموذجاً قديماً من المعرفة البشرية، المعرفة التي تنبع من الداخل وتُكتشَف ولا تُدرَس.

من هذا المنظور، قد تبدو المعرفة الصوفية أشبه ما تكون بنموذج بشري طبيعي، يشبه تلك المعرفة التي تنكشف من داخل الخوارزمية، دون أن يقوم أحد بتلقينها قواعد صريحة. فهي تكتشف الحقائق من ذاتها، تماماً كما يكتشف الصوفي معنى الوجود في قلبه في لحظات التجلي. وإذا ما تأملنا أعمق قد نجد أن بنية العقل البشري لا تختلف كثيراً عن هذه الشبكات العصبية الاصطناعية، التي تكشف أن المعرفة ليست سوى “كشف” لشيء موجود أصلاً في بنية النظام نفسه وليست مجرد اكتساب لمعلومات خارجية.

غير أن المفارقة المهمة تبقى قائمة: في حين أن الخوارزميات تستنج حقائق مجردة وباردة، فإن الصوفي يرى في معرفته كشفاً حيّاً يُشعله الحب والدهشة. هذا ما يدفعنا إلى إعادة طرح السؤال بصورة جديدة: هل المعرفة الانسانية هي كشف تلقائي لفطرة داخلية، وهل تصبح أعمق وأغنى حين تمتزج بالدهشة والشعور بالوعي الكامل؟

قد نجد في نهاية الأمر أن النموذج الصوفي للمعرفة، والنموذج التحليلي النفسي، وحتى النموذج الحديث الذي تقدمه الخوارزميات، كلها تشير إلى حقيقة واحدة: أننا نعرف أكثر مما نظن، وأن كثيراً من الحقائق التي نبحث عنها خارجنا موجودة في الأصل داخلنا، لكننا لن نراها إلا حين نجرؤ على الانصات بعمق، والتوقف للحظة عن محاولة السيطرة على المعرفة من خلال اللغة والمنطق فقط.

هكذا تصبح المعرفة رحلة من الداخل إلى الخارج، وليس العكس فقط. ويصير الإنسان كائناً يتذكر الحقيقة ولا يتعلمها فقط. ولربما هذا هو تحدي عصرنا الحالي أيضاً، أن نرى وراء الكلمات وأن نستمع إلى تلك اللغة الداخلية التي تنتظر لحظة هادئة وصافية، خارج صخب وجنون هذا العالم، حتى تقول كلمتها.

محاورة (ما لا يمكن أن يقال)

ابن عربي يلتقي الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951)

المكان: حديقة خريفية هادئة، أوراق الشجر تتساقط ببطءٍ شديد، فيما الغروب يقترب رويداً رويداً من أول الليل

فيتغنشتاين (ينظر إلى الأفق متأملاً) :

قلتُ يوماً إن حدود لغتي هي حدود عالمي. أقصدُ أن ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه لا وجود له في عالمي .. أنا لغتي! فما رأيك بهذا أيها الشيخ؟

ابن عربي (يبتسم بهدوء) :

حدود لغتك يا صاحبي ليست حدود العالم، بل حدود قدرتك على رؤية هذا العالم. اللغة تستطيع أن تصف وأن تفسر وأن تحلل لكنها لا تستطيع أن تكشف، تشير لكنها لا تلمس القلب مباشرة.

فيتغنشتاين (بشيء من الحِدة الهادئة) :

لكن ما لا يمكننا التعبير عنه بوضوح يجب أن نصمت عنه. اللغة هي كل ما نملك من أدوات لفهم الحياة.
ابن عربي (يشير إلى السماء):

انظر إلى هذا الغروب، هل يمكنك وصف لونه بدقةٍ تامة؟ وحال عجزتَ عن الوصف، هل تصمت عنه أم تُنكره على الجملة؟
فيتغنشتاين ( يتأمل قليلاً قبل أن يجيب) :

الوصف قد يكون ناقصاً لكنه على الأقل يجعلنا قادرين على الإشارة إلى الشيء الذي نتحدث عنه. إذا لم نجد لغة مناسبة علينا أن نصمت.
ابن عربي (بابتسامة عميقة):

كذلك أفعل، عدا أن صمتك هو ما تخذلك اللغة أمامه، أما صمتي فهو عندي أكثر بلاغة من أي لغة. هناك حقائق تُدرك فقط في لحظات الصمت، معرفة لا يمكن للكلمات أن تنطق بها.

فيتغنشتاين (يهز رأسه بحيرة)

وماذا نفغل إذاً، هل نسلمُ بأن الحقيقة لا يمكن قولها ؟

ابن عربي (بهدوء الواثق)

أن تعيش الحقيقة لا أن تقولها، تلكم هي الغاية، وعند ذلك فقط، ستفهم أنك لست بحاجةٍ إلى الكلمات. كلما اتسعت الرؤية يا سيدي ضاقت العبارة .. ضاقت حتى تلاشت.

يصمت الاثنان، ويحلُّ الظلام تدريجياً كما لو أن الطبيعة نفسها قررت المشاركة في هذا الحوار بالصمت.

Ahmad Azzam • 2025-12-31
Ahmed Azzam är en syrisk-palestinsk författare som bor i Sverige och var fristadsförfattare i Göteborg 2020-2022.


لغة الله ليست لغة

Dansande dervisher är det som många i väst främst associerar med sufismen. Bild: Baltazar Faunbäck (Wikimedia commons)

هل يمكن للعقل وحده أن يحيط بتجربة الوجود؟
في نصّ يتكئ في شكله على الكتابات الصوفية القديمة، يفتح أحمد عزام سؤال المعرفة الصوفية بوصفها محاولة لتجاوز حدود العقل، والإنصات إلى معنى لا يُقال بل يُعاش.

التصوّف الإسلامي تيارٌ داخلي في التجربة الإسلامية نشأ بعد الصراعات السياسية التي تأججت بعد وفاة الرسول محمد، وهو تيار يعيد ترتيب العلاقة بين العقل والقلب: لا ينكر البرهان، لكنه يذكّر بأن المعنى لا يُختزَل ضمن التعريفات العقلية فقط. لذا يتحدّث الصوفيون عن الذوق والكشف والحيرة كصيغ إدراك، وعن الحبّ والرحمة والذكر كأدوات معرفة. تأريخيًا، خرج هذا الأفق من الزهد المبكّر، ثم انفتح على لغةٍ شعرية وفلسفية وعلمية عبر أعلامٍ كبار كالحلّاج وابن عربي والرومي والنفّري وعمر الخيّام…وغيرهم. فكوّن خطابًا يرى العالم إشارات ومعاني لا موادّ صمّاء.

هذا النص ” المعرفة عند الصوفية” يأتي ضمن مشروع أكبر هو “لغة الله” يحاول فيه الكاتب الهروب من تقريرية الأكاديمية من دون التفريط بالدقة، عبر منهج ثابت بثلاث حركات. في “الرحلة” نعيد كل مفهوم إلى صورته الحسّية كي يُرى ويُلْمَس. في “المرآة” نضعه أمام فكرة حديثة مألوفة للقارئ، لا لتزيين الخطاب بل لكشف نقاط اللقاء والاختلاف. وفي “المحاورة” نسمح للأفكار أن تتجادل على المسرح؛ لأن بعض الأسئلة لا تُفهَم إلا وهي تتكلّم بصوتين.

الرحلة

كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة
“النفري”

“أيها الشيخ، ماذا تعرف عن هذا النهر” ؟

أجاب الصوفيّ مبتسماً ” أعرف ما لا يمكن للكلمات أن تنطق به”

قد تبدو هذه الإجابة على بساطتها غامضة أو شعرية في أحسن الأحوال، وهو ما يلخص التحدي الجوهري الذي واجه التصوف عبر التاريخ: كيف يمكن التعبير عن نوع معين من المعرفة يتجاوز حدود اللغة والمنطق المعتاد؟

كثيراً ما وصِفَت المعرفة الصوفية في السياق الأكاديمي بأنها معرفة صامتة أو شعرية بل هناك من وصفها بالسطحية، لأنها معرفة لا تكتمل في إطار الكلام النظري أو الاستدلال العقلي وحده. وهذا لم يكن ناتجاً عن رفض الصوفيين للعقل أو العلوم، بل لأن طبيعة المعرفة التي سعوا إليها تتجاوز الاطار العقلاني المحدود إلى التجربة الوجودية المباشرة والتذوق الروحي الذي لا يمكن ترجمته بسهولة إلى مفاهيم واضحة أو مصطلحات علمية جافة.

لكن رغم هذه الصفة الرمزية أو الشعرية التي ميزت خطابهم، لم يكن الصوفيون مجرد شعراء أو حالمين، بل كان أغلبهم علماء وفلاسفة وأطباء وفلكيون وفقهاء. نجد مثلاً بين أعلام التصوف نصير الدين الطوسي(1274) الذي كان عالم فلك وهندسة ورياضيات ومنطق من الوزن الثقيل ، والفيلسوف العظيم شهاب الدين السهروردي (1154-1191) الذي كان عالماً كبيراً في الفلسفة والمنطق بالاضافة إلى عمر الخيّام (1048- 1131) الشاعر والعالم الرياضي والفلكي المتميز… وغيرهم الكثير.

الصوفيون إذاً لم يكونوا متأملين منعزلين في عوالم الخيال فقط، بل كانوا متفاعلين مع ثقافة عصرهم بكامل أبعادها العلمية والفلسفية. إلا أن ما ميزهم عن غيرهم هو قناعتهم العميقة بأن المعرفة العقلية النظرية رغم أهميتها تبقى عاجزة عن إداراك الحقيقة الكونية الكاملة. وأن المعرفة الأكثر عمقاً هي تلك التي تكتسب من خلال التجربة الذاتية والتذوق الشخصي أو ما أسموه “الذوق والكشف”
المتصوف الكبير ابن عربي (1165-1240) يميز بين ثلاثة أنواع من المعرفة:

علم اليقين: هو العلم العقلي، علم يُحصّل من البرهان أو الخبر. كمن يقرأ وصف البحر في كتاب، هو يعرف أنه موجود، لكن لم يشاهده.
عين اليقين: أن ترى الحقيقة رؤية قلبية مباشرة، كمن يقف على الشاطئ ويرى البحر بعينيه، فيدرك شيئاً من عظمته لكنه لم يلمس أعماقه بعد.

حق اليقين: وهو الذوق الكامل، أن تكون أنت والبحر واحداً، يغمرك الماء وتتنفس أسراره وتشعر بوحدتك معه، إنه المعرفة كحالة وجودية لا كفكرة عقلية فقط.

من هنا يصر ابن عربي على أن المعرفة الحقة ” هي أن تشهد الله بقلبك في كل شيء، فإذا شهدته فلا تحتاج إلى برهان”. لأن الصوفي الحقيقي هو “العارف” وليس “العالِم” فالعالِم يجيد قراءة النصوص والبيانات وحفظها وتحليلها، لكنه قد يكون غافلاً عن حقيقة قلبه. أما العارف يرى لغة الله في كل شيء حتى في أصغرِ ذرة من تراب. لكن هذه المعرفة لا تأتي مجاناً. يَرِد عن النفري (965-؟) في إحدى مواقفه _ الموقف لدى النفري يعادل حق اليقين عند ابن عربي_

أي أن الطريق إلى المعرفة الحقة يتطلب التخلي عن كل غرورٍ وكل تصوّرٍ سابق. فالمعرفة الصوفية ليست تملكًا أو إحاطةً، بل هي أن تفقدَ نفسَك في حضرة الله، وتصير شاهدًا على سره في الكون.


Bild som sägs föreställa Ibn Arabi. Bild: Wikimedia Commons.

هذا العلم عند الصوفيين هو فيض إلهيٌّ، نوع من الإلهام أو التجلي المباشر، مثل النور الذي يُشعل في القلب دون سابق إنذار أو طلب. إنه معرفة صافية لا يشوبها الظن ولا التقليد لأنها تتخطى العقل والمنطق وتتخطى حتى الحسّ والخيال.

ابن عربي يصف العلم اللدني بأنه:

” علمٌ لا يُكتب في الأوراق، ولا يُشرح بالألسنة، بل هو أسرارٌ تُلقى في القلب كالمطر الناعم على أرضٍ يباب”. بمعنى آخر هو كل ما يجعل العارف الصوفي يعرف من دون برهان ويفهم الحقيقة من دون سؤال.

إن فكرة “العلم اللدني” عند الصوفية، وتحديدًا حالة «الواقف» عند النفري، تطرح سؤالًا عميقًا حول طبيعة المعرفة الإنسانية: هل كل ما نعرفه هو فقط ما نتعلمه من الخارج؟ أم أن هناك “معرفة كامنة” مزروعة في جوهر النفس الإنسانية، ولا تحتاج سوى ظروف ملائمة لكي تتفتح وتُكشف؟

المتصوفة يقولون أن المعرفة الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل هي شي موجود في القلب، ويظهر فجأة في لحظات التجلي.
من هذا المنظور، يمكن القول إن العقل البشري ليس مجرد صفحة بيضاء تُكتب عليها الأفكار والتجارب لمن الخارج، بل هو أشبه بحقلٍ خصبٍ يحتوي بذور المعرفة، وتحتاج فقط إلى لحظة مناسبة أو “تجربة داخلية” لتُزهر.

ولو نظرنا إلى اللغة مثلًا، نجد أن الإنسان يكتسب لغته بشكل شبه تلقائي، دون أن يتعلّم قواعدها بشكل واعٍ في سنواته الأولى. هذا يشير إلى وجود بنية معرفية عميقة وفطرية داخل الإنسان، تتحرك من دون تدخل واعٍ أو إرادة مباشرة.

بالطريقة نفسها، يمكن أن نتصور “العلم اللدني” كنوع من “لغة روحية” كامنة في عمق النفس، لغة لا تعلم من الخارج بل تكشف من الداخل، وهذه المعرفة موجودةٌ فينا كقدرة أو استعداد مسبق وحين تأتي اللحظة المناسبة تتفتح هذه المعرفة بشكلٍ عفوي وتلقائي.

مقام “الواقف” عند النفري يشبه تمامًا لحظة اكتساب اللغة عند الطفل؛ لحظة تتجاوز التعليم الواعي، وتصل إلى كشف مباشر لمعرفة كانت دائمًا موجودة في النفس. إنها اللحظة التي يكفّ فيها القلب عن السؤال، ويتوقف العقل عن التفكير الواعي، ويبدأ فقط “بالإصغاء”
بهذا التحليل، نفهم لماذا يقول النفري: المعرفة حجاب

لأنه يرى أن محاولة تعريف المعرفة، أو تعليمها بشكل واعٍ، قد يحجب تلك المعرفة الداخلية العميقة التي تولد في القلب عفويًا ودون واسطة.
الفرق إذن بين المعرفة الظاهرية (التي تُكتَسَب بالجهد والتعلّم)، والمعرفة اللدنية (التي تنبع من الداخل بشكل فطري)، هو الفرق بين اللغة التي نتعلم قواعدها بعد جهد، وبين اللغة الأم التي نمتلكها دون أن نعرف كيف تعلّمناها.

وهذا ما يدعونا الصوفية إلى إدراكه

أننا لا نتعلم “لغة الله” من الخارج، بل نتذكرها من الداخل.


Syriskt manuskript av Ibn Arabis Diwan. Bild: Khalili Collections/Wikimedia commons

رحلة

نحن الآن في عام 2500 ميلادية، لم يعد العالم مكاناً كما نعرفه اليوم. التكنولوجيا وصلت إلى نقطةٍ جعلت من الإنسان قادراً على فهم كل ما هو قابلٌ للفهم. صارت المعرفة حقائقَ محفوظة داخلَ رقاقاتٍ إلكترونية، صار كل شيءٍ قابلاً للقياس، للشرح، وللتوقع. لكن سؤالاً وحيداً ظلّ بلا إجابة، سؤالاً بقي يقلق القلة المتبقية من البشر ويزعجهم: هل يمكن أن نعرف حقيقة المعرفة ؟

في تلك السنة البعيدة قررت البشرية إقامة متحفٍ ضخم أطلقوا عليه ” متحف المعرفة الأخير”. في جناحه الرئيسي عُلِقت على الجدران آلاف الشاشات التي تُظهِر كل ما عرفه البشر من علومٍ ونظريات وأرقام ولغات، ومن سقف القاعةِ تدلّت مجسماتٌ مضيئة للأدمغة البشرية تحاكي تركيبة العقل البشري بدقة هائلة.

في نهاية الممر الطويل عُلِقت لوحة قديمة متواضعة، كان مكتوباً عليها بخطٍ يدويٍ عربيٍ عتيق: “قال لي، لا تعرفني حتى تيأس مِنك”
توقف زائرٌ شاب بفضولٍ أمام تلك اللوحة، ولم يفهم معناها. اقترب منه رجلٌ عجوز بهيئة بسيطة، بدا كأنه آت من زمنٍ آخر. قال العجوز بهدوء :
أراك حائراً يا بني، هل أعجبتك اللوحة ؟

ابتسم الشاب وقال: بل حيرَتني، في هذا المتحف المهيب يبدو كل شيء واضحٍ، كل شيء مفهوم، عدا هذه اللوحة الغريبة، إذ كيف تكون المعرفة يأساً ؟!

رد العجوز: لقد حاولتم طوال قرونٍ أن تعرفوا الحقيقة من الخارج فقط، نسيتم أن الحقيقة التي تبحثون عنها ليست شيئاً يلتقط بل هي شيءٌ يتجلى من الداخل.

سأل الشاب: أيعني هذا أن معرفتنا كانت كلها وهماً ؟

هزّ العجوز برأسه موافقاً: ليست وهماً بالمعنى الحرفيّ للكلمة لكنها لم تكن كاملة أبداً، لطالما كان ينقصها تلك اللحظة التي يتوقف فيه العقل عن السؤال وتبدأ فيها النفس بالإنصات.

تأمل الشاب المكان حوله بدهشة، ثم قال بعد تردد: ولكننا تعلمنا أن كل شيء يمكن قياسه وتفسيره.
رد العجوز بابتسامة هادئة: أجل، كل شيء يمكن قياسه ما عدا سؤال المعرفة نفسه.

يتأمل العجوز قليلاً في اللوحة ثم يستطرد: لقد قضيتم قروناً تجمعون لحظات النور العابرة، لكنكم عجزتم عن أن تصنعوا منها شعلةً دائمة. ألف مرةٍ تجلت الحقيقة أمامكم لكنكم لم تعلّموا قلوبكم كيف تحتفظ بها. هذه اللوحة ليست عن اليأس بمعناهِ السلبي، بل عن التخلي عن وهم السيطرة على المعرفة. أن تترك ما تظنّ أنك تعرفه كي تفتح قلبك لما لا يمكن أن يقال.

الشاب متحمساً: أشعر أني سمعت صدىً لهذه الكلمات في حلمٍ بعيد، ولكن أخبرني أيها الشيخ كيف يمكننا أن نعرف ؟
وضع العجوز يده على كتف الشاب بلطف وقال: بأن تدركَ أولاً أنك لا تعرف. أن تترك لغتك التي اعتدت أن تشرح بها العالم، وتبدأ بتعلمِ لغةٍ قديمة جداً في داخلك، لغةٍ كدت تنساها.

أجاب الشاب بحيرة حقيقية هذه المرة: أية لغةٍ هذه ؟!

قال العجوز: إنها اللغة التي لا تكتسب بل تُذكَر. اللغة التي تحدث بها القلب قبل أن يعرف العقل الكلمات. لغة الإلهام والتجلي، هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تخبرك بالحقيقة التي تقف خلف كل الحقائق.

تأمل الشاب مجدداً في اللوحة، ولكن هذه المرة تأملها بصمت العالم، وحين التفت أخيراً نحو الرجل العجوز لم يجد أحداً.

مرآة أخرى

لو تواضعنا قليلاً وتساءلنا بهدوء: هل المعرفة الانسانية وليدة التجربة المباشرة فقط، أم أن في الانسان نوعاً من المعرفة المسبقة التي لا ينتبَه لها إلا حين تظهر فجأة في لحظة وعي خاطفة؟
في السياق الأوروبي الحديث، كثيراً ما طُرح هذا السؤال، ولكن من زوايا مختلفة جذرياً عن التصوف الاسلامي. فهناك من رأى أن المعرفة ليست مجرد تراكم لخبراتنا الواعية، بل أشبه بمحيطٍ عميق داخل النفس، محيط لا يمكن استكشاف أعماقه بالكامل عبر المنطق الواعي وحده.
هنا يمكننا أن نذكر مدرسة التحليل النفسي التي رأت أن الانسان لا يعرف نفسه معرفة كاملة، وأن جزءاً كبيراً من حياته ومعرفته يكمن في منطقة مظلمة وغامضة سمّتها “اللاوعي”.

يرى فرويد أن الانسان محكوم بقوى نفسية خفية، لا يظهر منها سوى جزء بسيط إلى السطح، بينما الجزء الأكبر (الهو) يظل مختبئاً في الأعماق، يتحكم في أفكارنا وتصرفاتنا دون أن ندرك ذلك بوعي. من هذه الزاوية يبدو مفهوم “العلم اللدني” عند الصوفية قريباً من مفهوم “الهو” الفرويدي في كونه معرفة عميقة موجودة في داخل الإنسان، وتنتظر اللحظة المناسبة للظهور.
غير أنّ الفرق الجوهري هنا هو أن المعرفة عند الصوفية ليست معرفة مظلمة أو سلبية كما هو الحال عند فرويد، بل نور إلهي يكشف عن حقيقة وجودية أعمق.

لكن دعونا نتوسع قليلاً وننظر إلى صورة أخرى حديثة وأكثر غرابة في فهم المعرفة، صورة لم تولد من الفلسفة التقليدية، بل من عالمٍ غير متوقع: عالم الذكاء الاصطناعي.

في السنوات الأخيرة ابتكرت البشرية طريقة جديدة لإنتاج المعرفة من خلال خوارزميات التعلم العميق والشبكات العصبية. هذه الخوارزميات لا تتعلم بالمعنى التقليدي للتعليم، بل تكتشف المعرفة بنفسها من خلال التفاعل مع البيانات. كأنها تستعيد نموذجاً قديماً من المعرفة البشرية، المعرفة التي تنبع من الداخل وتُكتشَف ولا تُدرَس.

من هذا المنظور، قد تبدو المعرفة الصوفية أشبه ما تكون بنموذج بشري طبيعي، يشبه تلك المعرفة التي تنكشف من داخل الخوارزمية، دون أن يقوم أحد بتلقينها قواعد صريحة. فهي تكتشف الحقائق من ذاتها، تماماً كما يكتشف الصوفي معنى الوجود في قلبه في لحظات التجلي. وإذا ما تأملنا أعمق قد نجد أن بنية العقل البشري لا تختلف كثيراً عن هذه الشبكات العصبية الاصطناعية، التي تكشف أن المعرفة ليست سوى “كشف” لشيء موجود أصلاً في بنية النظام نفسه وليست مجرد اكتساب لمعلومات خارجية.

غير أن المفارقة المهمة تبقى قائمة: في حين أن الخوارزميات تستنج حقائق مجردة وباردة، فإن الصوفي يرى في معرفته كشفاً حيّاً يُشعله الحب والدهشة. هذا ما يدفعنا إلى إعادة طرح السؤال بصورة جديدة: هل المعرفة الانسانية هي كشف تلقائي لفطرة داخلية، وهل تصبح أعمق وأغنى حين تمتزج بالدهشة والشعور بالوعي الكامل؟

قد نجد في نهاية الأمر أن النموذج الصوفي للمعرفة، والنموذج التحليلي النفسي، وحتى النموذج الحديث الذي تقدمه الخوارزميات، كلها تشير إلى حقيقة واحدة: أننا نعرف أكثر مما نظن، وأن كثيراً من الحقائق التي نبحث عنها خارجنا موجودة في الأصل داخلنا، لكننا لن نراها إلا حين نجرؤ على الانصات بعمق، والتوقف للحظة عن محاولة السيطرة على المعرفة من خلال اللغة والمنطق فقط.

هكذا تصبح المعرفة رحلة من الداخل إلى الخارج، وليس العكس فقط. ويصير الإنسان كائناً يتذكر الحقيقة ولا يتعلمها فقط. ولربما هذا هو تحدي عصرنا الحالي أيضاً، أن نرى وراء الكلمات وأن نستمع إلى تلك اللغة الداخلية التي تنتظر لحظة هادئة وصافية، خارج صخب وجنون هذا العالم، حتى تقول كلمتها.

محاورة (ما لا يمكن أن يقال)

ابن عربي يلتقي الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951)

المكان: حديقة خريفية هادئة، أوراق الشجر تتساقط ببطءٍ شديد، فيما الغروب يقترب رويداً رويداً من أول الليل

فيتغنشتاين (ينظر إلى الأفق متأملاً) :

قلتُ يوماً إن حدود لغتي هي حدود عالمي. أقصدُ أن ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه لا وجود له في عالمي .. أنا لغتي! فما رأيك بهذا أيها الشيخ؟

ابن عربي (يبتسم بهدوء) :

حدود لغتك يا صاحبي ليست حدود العالم، بل حدود قدرتك على رؤية هذا العالم. اللغة تستطيع أن تصف وأن تفسر وأن تحلل لكنها لا تستطيع أن تكشف، تشير لكنها لا تلمس القلب مباشرة.

فيتغنشتاين (بشيء من الحِدة الهادئة) :

لكن ما لا يمكننا التعبير عنه بوضوح يجب أن نصمت عنه. اللغة هي كل ما نملك من أدوات لفهم الحياة.
ابن عربي (يشير إلى السماء):

انظر إلى هذا الغروب، هل يمكنك وصف لونه بدقةٍ تامة؟ وحال عجزتَ عن الوصف، هل تصمت عنه أم تُنكره على الجملة؟
فيتغنشتاين ( يتأمل قليلاً قبل أن يجيب) :

الوصف قد يكون ناقصاً لكنه على الأقل يجعلنا قادرين على الإشارة إلى الشيء الذي نتحدث عنه. إذا لم نجد لغة مناسبة علينا أن نصمت.
ابن عربي (بابتسامة عميقة):

كذلك أفعل، عدا أن صمتك هو ما تخذلك اللغة أمامه، أما صمتي فهو عندي أكثر بلاغة من أي لغة. هناك حقائق تُدرك فقط في لحظات الصمت، معرفة لا يمكن للكلمات أن تنطق بها.

فيتغنشتاين (يهز رأسه بحيرة)

وماذا نفغل إذاً، هل نسلمُ بأن الحقيقة لا يمكن قولها ؟

ابن عربي (بهدوء الواثق)

أن تعيش الحقيقة لا أن تقولها، تلكم هي الغاية، وعند ذلك فقط، ستفهم أنك لست بحاجةٍ إلى الكلمات. كلما اتسعت الرؤية يا سيدي ضاقت العبارة .. ضاقت حتى تلاشت.

يصمت الاثنان، ويحلُّ الظلام تدريجياً كما لو أن الطبيعة نفسها قررت المشاركة في هذا الحوار بالصمت.

Ahmad Azzam • 2025-12-31
Ahmed Azzam är en syrisk-palestinsk författare som bor i Sverige och var fristadsförfattare i Göteborg 2020-2022.